كلمة المدير التنفيذي للمهرجان

أنّ الهوية الوطنية تتمثل في قدرتنا على مجابهة التحديات وصناعة الحياة ووضع مداميك المستقبل، انطلاقًا من التاريخ والإرث والجغرافيا، والدور الفاعل الحيوي للفنّ والثقافة في صياغة رؤيتنا لذاتنا والعالم من حولنا، حيث تنهض فلسفة المهرجان الذي يعد من أقدم وأبرز المهرجانات في المنطقة العربية على تقديم وعرض جوانب متعددة من الإبداعات المحلية والعربية والعالمية والتعريف بها من على منصة أثرية عابقة بتاريخ الحضارات الإنسانية وتنشد التعاون والتبادل الثقافي بين الأمم، في تركيز على هوية أردنية ثقافية، من خلال مشروع وطني يمتلك خصوصيته المعبرة عن المجتمع الأردني بوصفه متنوع الثقافات.

يحتضن المهرجان الكثير من الحقول الإبداعية من امسيات فكرية و أدبية وموسيقية ومسرحية وتشكيلية وسمعية بصرية تحمل أسماء شابة وراسخة في المشهد الثقافي الى جوار تلك المشاركة الواسعة والمميزة للمثقف والفنان والحرفي الأردني، على نحو يحفز ويشجع الأسرة الاردنية التوجه الى مدينة جرش الأثرية لتكون جزءا من هذا الحدث الاردني العربي العالمي.

وتأتي أهمية استمرار المهرجان الذي عقدت بعض دوراته في ظل ظروف استثنائية صعبة مرّت بها المنطقة، كدليل بارز على المكانة اللائقة التي يحظى بها الأردن كنموذج للأمن والاستقرار وحاضنة للثقافة والإبداع، وبذل القائمون على المهرجان جهدهم لتوفير الخدمات في موقع المهرجان، والتركيز على أن جرش معلم حضاري وتاريخي وثقافي، وتأكيد على ربط المنتج الثقافي مع المنتج السياحي، كما أن نجاح مهرجان جرش كان لافتا ظهر فيها كمحطة تسويقية وترويجية للأردن في أرجاء العالم، وهو ما أوجد تنوعا في جنسيات رواده وثقافاتهم المتعددة.

وتنوعت فعاليات المهرجان من خلال دعوته لأبرز المبدعين والمثقفين والفنانين والإعلاميين والفرق الفنية الفلكلورية العالمية الشهيرة والمؤثرة، الى جوار معرض الحرف والصناعات التقليدية، فضلا عن تركيزه على النواحي والقضايا الفكرية من خلال عقد ندوات تحمل هموما وطنية وإنسانية بمشاركة عدد من أبرز المثقفين والكتاب والباحثين.

 و لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من الزوار، فإن فعاليات المهرجان الثقافية وتلك التي تزخر بالمشاهد الفنية والتراثية العربية والعالمية غالبا ما تكون مجانية مراعاة للظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وتشجيعا لزوار المدينة الأثرية، فهي فعاليات تربط التراث والموروث مع صنوف الإبداع العالمي المعاصر، من خلال مشاركة عشرات البلدان بهدف إبراز روح التسامح والتعايش عبر لغة الموسيقى وحضورها اللافت كلّ عام، فهي فرق جادة استطاعت عبر كل الدورات الماضية أن تنقل الصوت الإنساني واسئلته الملحّة وأن تُعلي من شأن الإحساس بالأرض والينابيع ورائحة التراث والعتابا والموال الذي يظل يربط بين الأجيال وتمتع الحضور بما تقدمه من وصلات استعراضيّة راقصة من التراث الغني المجبول بهموم وتطلعات الفرد في عناقه الدؤوب مع الأرض و محيطه الإنساني في خطابات الحنين التي تختلج في الوجدان، النابضة دائما برسائل الوفاء والمحبة والتواصل، وهي تنسج لوحات من مشهديات الغناء والعزف والأداء، بالإضافة إلى التعريف بأطياف من فرق النغم المحلية والعربية والعالمية الآتية من أرجاء العالم، وهي تغرف من مختلف ألوان موروث الفن الأصيل الذي يزخر بالمشاعر الوطنية والوجدانية والعاطفية.